الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
18
مناهل العرفان في علوم القرآن
القرآن يحضّ على الانتفاع بالكون أجل : إن القرآن حضّ على معرفة علوم الكون وصنائع العالم ، وحثّ على الانتفاع بكل ما يقع تحت نظرنا في الوجود . قال سبحانه وتعالى « قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » وقال جلّت حكمته « وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » . فلا يليق بالمسلمين وهم المخاطبون بهذا أن يفرّوا من وجه هذه المنافع العامّة ، ولا أن يزهدوا في علوم الكون ، ولا أن يحرموا أنفسهم فوائد التمتّع بثمرات هذه القوى العظيمة التي أودعها اللّه لخلقه ، في خزائن سماواته وأرضه . ولهذا نصّ علماؤنا على أنّ تعلّم تلك العلوم الكونية ، وحذق هذه الصناعات الفنية ، فرض من فروض الكفايات ، ما داموا في حاجة إليها لمصلحة الفرد أو المجموع وذلك لأن البقاء في هذه الحياة للأصلح ، والحياة في هذا الوجود للسلام المسلّح ، والأسلحة في كل عصر عامّة وفي هذا العصر خاصّة إنما تقوم على التمهّر في العلوم وعلى السبق في حلبة الصناعات والفنون . والويل فينا للضعيف ، والحظ كلّ الحظ للقوى ، واللّه تعالى يقول : « وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ » : والنبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول فيما رواه مسلم عن أبي هريرة : « المؤمن القوىّ خير من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير . احرص على ما ينفعك ، واستعن باللّه ولا تعجز . وإن أصابك شئ فلا تقل : لو أنّى فعلت كذا كان كذا وكذا . ولكن قل : قدّر اللّه ، وما شاء فعل . فإنّ لو تفتح عمل الشيطان » . إعجاز علمىّ للقرآن وأحبّ ألّا انتهى من هذا الموضوع حتى أنبهك إلى شئ آخر جذير بالنظر والتقدير : وهو أن القرآن الكريم في طريقة عرضه للهداية والإعجاز على الخلق قد حاكم الناس إلى عقولهم ، وفتح عيونهم إلى الكون وما في الكون من سماء وأرض ،